الدعاء في كتاب الداء والدواء لإبن القيم
يُعدّ كتاب "الداء والدواء" للإمام ابن القيم رحمه الله من أبرز المؤلفات التي تناولت علاج أمراض القلب وإصلاح النفوس، وقد خصّص فيه فصلًا مطوّلًا للحديث عن الدعاء، مبينًا مكانته، وشروطه، وموانعه، وأثره في دفع البلاء وجلب الخير.
وفيما يلي أبرز ماجاء به في باب الدعاء:
أولًا: منزلة الدعاء وأهميته
يشدّد ابن القيم على أن الدعاء من أعظم العبادات، وهو روحها وجوهرها، مستدلًا بقول النبي ﷺ: «الدعاء هو العبادة» (رواه الترمذي). ويبين أن العبد لا يغنيه شيء عن الدعاء، فهو إعلان للفقر إلى الله وإظهار للذل والانكسار بين يديه، وسبب لنيل رحمته وتوفيقه.
ويشير أيضًا إلى أن الدعاء سلاح المؤمن، وأحد أنفع الأدوية في دفع البلاء ورفعه، سواء نزل البلاء بالفعل أو لم ينزل بعد.
ثانيًا: الدعاء من أقوى الأسباب في دفع البلاء
يوضح ابن القيم أن الدعاء سبب من الأسباب التي قدّرها الله، ولا يتعارض ذلك مع الإيمان بالقدر، بل هو جزء منه. فكما أن الطعام سبب للشبع، والدواء سبب للشفاء، فإن الدعاء سبب لدفع البلاء أو تخفيفه.
ويبين أن أثر الدعاء مع البلاء يكون في ثلاث صور:
أن يكون الدعاء أقوى من البلاء فيرفعه.
أن يكون أضعف فيغلبه البلاء.
ان يتقاربا فيمنع كل منهما صاحبه أو يخفف أثره.
وهذا يدل على أن قوة الدعاء وحضور القلب فيه هما ما يحددان أثره.
ثالثًا: شروط قبول الدعاء
يشدّد ابن القيم على أن للدعاء شروطًا، وإذا اختلّت، ضعف أثره، ومن أهمها:
حضور القلب وجمعه على الله
صدق اللجوء والانكسار بين يدي الله
الحرص على الحلال واجتناب الحرام
الصبر وعدم الاستعجال في الإجابة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: يقول دعوت فلم يستجب لي
الثقة بوعد الله وحسن الظن به وكان يقول عمر رضي الله عنه: اني لا أحمل همّ الإجابة ولكم همّ الدعاء، فإذا ألهمتم الدعاء فإن الإجابة معه
ومن أعظم موانع الإجابة الغفلة، والذنوب، والاعتداء في الدعاء والتعجل فيه
رابعًا: أوقات وأحوال ترجى فيها الإجابة
يذكر ابن القيم أن هناك أوقاتًا وأحوالًا يكون فيها الدعاء أقرب إلى الاستجابة، منها:
الثلث الأخير من الليل
بين الأذان والإقامة
في السجود
يوم الجمعة
عند نزول المطر
أثناء السفر والمرض والانكسار
ويعود السر في ذلك إلى اجتماع القلب وخلوصه في هذه الأحوال والمواطن
خامسًا: آداب الدعاء
من الآداب التي شدّد عليها ابن القيم:
البدء بحمد الله والثناء عليه
التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته
الصلاة على النبي ﷺ
التوبة والاستغفار
لإلحاح في الدعاء وتكراره
خفض الصوت بين المُخافتة والجهر
استقبال القبلة ورفع اليدين
ويؤكد أن الإلحاح محبوب إلى الله، لأنه دليل على صدق الافتقار إليه.
سادسًا: أثر الذنوب في منع الإجابة
يوضح ابن القيم أن المعاصي من أعظم أسباب حرمان الإجابة، لأنها تُضعف القلب وتقطع صلته بالله. ويستشهد بحديث عن أبي هريرةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: … ثم ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّماءِ يا رَبُّ.. يا رَبُّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامِ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامَ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ؟
رواه مسلمٌ.
ويؤكد إلى أن التوبة والاستغفار من أعظم مفاتيح قبول الدعاء واستجابة الله له
ختامًا، الدعاء صلة بين العبد وربه، بالخشوع والصدق، وهو سبب لرفع البلاء وجلب الخير، وتزداد قوته بالتوبة والاستغفار والالتزام بالحلال.


استغفر الله العظيم واتوب اليه
من اجمل ماقرات
جزاك/ي الله خيراً